عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 39
خريدة القصر وجريدة العصر
لفوائده وفرائده » . وقال ابن الفوطي : « وكان له مدرسة بدمشق يلقي فيها الدرس ، وحلقة بجامع دمشق للمناظرة » ، ولم أر من أشار إلى هذه الحلقة غيره . وولّاه نور الدين في سنة 568 ه الإشراف على ديوان الإنشاء « 1 » مضافا إلى كتابة الإنشاء . وهكذا وجد على الأيّام منه الإعزاز والتمكين ، وبلغ منزلة رفيعة لديه ، فذكر أنّه حضر رسل الخليفة المستضيء بأمر اللّه عنده ، وقد نصّوا على من يحضر في مجلسه وأغفلوا ذكر العماد ، فطلبه نور الدين ، وقام لقيام الرسل له لما حضر ، وقصد أن يعرفهم منزلته عنده . وزاره في مدرسته عقيب تشعثها في حادث زلزال ، وبسط سجادته بنفسه في قبلتها لسنّة الضحى وصلّاها ، وأمر بترخيم قبلتها وتذهيبها ، وأنفذ له - لعمارتها - فصوصا مذهبة وذهبا ، ثم حمّ مقدور حمامه ، وعاقه القدر عن إتمامه . وكان العماد لا يكاد يفارق السلطان في حضره وسفره ، فسار معه في مواكبه ، وشهد حروبه مع الفرنج ، وطرب لفتوحاته ، وتغنى ببطولته وانتصاراته ناظما أوصافه الجليلة بأحسن لفظ وأرقّه . قال أبو شامة المقدسيّ : « . . . لم يبق بعد موت القيسرانيّ وابن منير فحل من الشعراء يصف مناقب نور الدين كما ينبغي ، إلّا ابن أسعد الموصلي ، إلى أن قدم العماد الكاتب الشّام في سنة اثنتين وستّين ، فتسلّم هذا الأمر ، وعبّر عن أوصاف نور الدين وغزواته بأحسن العبارات وأتمّها نظما ونثرا » . وقد أودع أبو شامة في كتاب الروضتين كثيرا من هذه الروائع التي وصفت أنضر صحائف البطولة في التأريخ الإسلامي ، وخلّدت أجمل مناقب الوطنية في نهوضها لحماية محارم الأوطان ودفاعها المغيرين المعتدين على أقداس الحمى والشرف والمجد . ولبث العماد على هذه الحال الجميلة طوال أيامه . فلما توفّي نور الدين ، بكى سوالف عهوده ، ورثاه أبلغ الرثاء ، وأحسن الوفاء له ولم يسله .
--> ( 1 ) ذكر الدكتور شوقي ضيف أنه ( رتبه في أشرف الديوان ) ، ولست أتبين لهذا التعبير معنى .